مشاهدة النسخة كاملة : عــقــدة الــنـقــص


أحمد عطيف
10-Aug-2007, 11:58 PM
كثيرة هي العقد النفسية التي يعاني منها أشخاص عديدون من حولنا والتي تظهر في سلوكهم اليومي. ونقصد بالعقد النفسية هنا العناصر المكبوتة لسبب ما، كما هي الحال مع الجندي في أرض المعركة، حيث تتعارض عنده النزعة إلى الهرب إيثاراً للعافية،



مع النزعة الاجتماعية التي تقتضي الإخلاص للواجب والثبات دفاعاً عن الوطن، فيحدث هذا التعارض عقدة سرعان ما تكبت بعد زوال الخطر عن الشخص. ومن بين هذه العقد ما يعرف بعقدة النقص أو مركب الدونية، وهي حالة عصبية تنجم عن شعور الشخص بقصوره الحقيقي أو الوهمي مقارنة مع من حوله من الأشخاص الذين يعيش بينهم، سواء في المنزل أو المدرسة أو العمل.

وهذه العقدة تورث من يعاني منها شعوراً بالخجل، والانطواء على النفس، وقد تتجلى في بعض الأحيان بشكل إيجابي، حيث تعتبر حافزاً لتحقيق نجاحات متتالية في حياته اليومية والعملية، حينها يبدو هذا الشخص ذا شأن بين أقرانه وأفراد مجتمعه. ويمكن أن تتجلى بشكل سلبي لدى الكثير من الأشخاص، حيث يصبح سلوكهم عدوانياً.

ولأن شخصية الإنسان معقدة، لهذا فإن المتخصصين في مجال علم النفس يدرسون السلوك الظاهر، أي الأفعال التي يقوم بها الشخص، والسلوك الكامن المتعلق بالتفكير والتخيل والتذكر، لهذا يفاجأ كل واحد منّا بالأشخاص الذين يتعاملون معه، إذ ان أي حدث بسيط يمكن أن ينزع تلك القشور ويسقط القناع، حينها يطفو السلوك الباطن على السطح ويظهر الشخص على حقيقته تماماً.

وبالطبع يحاول كل واحد منا أن يموه نفسه بتلك القشور، فالبعض ينجح والبعض الآخر يفشل، وغالباً ما يعاني العديد من الأشخاص من اضطرابات نفسية، وقد تتأصل لدى البعض منهم مركبات نفسية قد يصعب حلّها. إن الشعور بالنقص هو واحد من تلك المركبات النفسية المعقدة التي قد تتعارض مع الكثير من القيم والمفاهيم السائدة، فيحطمها أو يتجاهلها من يعاني منها.

ووفقاً لما تشير إليه دراسات نفسية في هذا المجال، فإن هذه العقدة قد تنمو منذ الصغر بسبب العجز والتبعية وضعف الثقة بالنفس، ومقارنة الطفل بذويه من أفراد أسرته أو أقرانه، وفي هذه الحالة تساهم الأم من دون وعي منها بإصابة طفلها بهذه المشكلة، فالأم الأنانية تحول دون استقلال ابنها عنها، وتجهد من خلال إغراقه العاطفي وإغداق الرعاية والعناية عليه، على استمرار العلاقة الذوبانية بينه وبينها، وهو ما يبقيه في حالة من التبعية الطفلية على الصعيد العاطفي، حتى لو تقدم في مراحل الرشد الاجتماعي.

ويمكن للأب المتسلط أن يعرقل عبور ابنه نحو الاستقلال العاطفي النفسي، فيبقى الابن يعاني من التبعية الطفلية مهما تقدم به العمر. ولتفادي تأصل عقدة النقص لدى الصغار ينبغي على الآباء والأمهات والمربين تعزيز الثقة بالنفس منذ الصغر، ودفعهم إلى الاعتماد على أنفسهم في تلبية الكثير من احتياجاتهم اليومية، مع تقديم النصح والإرشاد وإتاحة الفرص أمامهم لتأكيد ذاتهم بشكل صحيح.

ومن المهم جداً عدم توبيخ الصغير حتى وإن أخطأ، وتشجيعه على تحطيم الحواجز والتغلب على المخاوف مهما عظمت، وتقديم الدعم المعنوي والمادي من أجل تحقيق الاستقرار النفسي لديه. وكما أشرنا فإن عقدة النقص قد تظهر في مرحلة البلوغ لدوافع عديدة قد تتعلق بشكل الشخص وقوامه، ومرتبته الوظيفية، وحالته الدراسية والمادية وغيرها.

وفي كثير من الأحيان قد تسبب هذه العقدة توتراً ناجماً عن الإحباط والاضطراب النفسي العاطفي، إذ ان من تتأصل عقدة النقص في داخله يسيطر عليه شعور بأنه أقل قيمة من الآخرين، لهذا نجده إذا ما امتلك المال أو وسائل القوة والجاه، فإنه يحيط نفسه بالآخرين كمحاولة للتعويض عن الشعور بالنقص والارتقاء، من وجهة نظره طبعاً، نحو المستوى الاجتماعي أو المادي الذي يطمح إليه.

وإذا ما تبوأ الشخص الذي يعاني من عقدة النقص مركزاً مرموقاً فإنه يحاول الاستبداد بالرأي ومركزية القرار، وتعزيز سلطته وفرض آرائه تعويضاً عن عقدته تلك، ومن بين المشاهير الذين عانوا من هذه العقدة نابليون وستالين وهتلر وموسوليني، الذين دفعت شعوبهم ضرائب باهظة جراء شعورهم الذاتي بالنقص. وللأسف نقول إن الكثير من الأشخاص من حولنا يعانون من عقد النقص التي تنعكس بشكل سلبي على حياتهم الاجتماعية والعملية والعاطفية، وقد تبدو على شكل سلوك عدواني، حينها يسقط القناع وتنعدم القيم وتزول المحبة، فهل نعي ذلك؟